ابن كثير
22
البداية والنهاية
سجد فقلت : الآن يفترسه ، فجلس ثم سلم فقال : أيها السبع إن كنت أمرت بشئ فافعل وإلا فاطلب الرزق من مكان آخر ، فولى الأسد وإن له لزئيرا تصدع منه الجبال ، فلما كان عند الصباح جلس فحمد الله بمحامد لم أسمع بمثلها ثم قال : اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار ، أو مثلي يجترئ أن يسألك الجنة . ثم رجع إلى الجيش فأصبح كأنه بات على الحشا ، وأصبحت وبي من الفترة شئ الله به عليم . قال : وذهبت بغلته بثقلها فقال : اللهم إني أسألك أن ترد علي بغلتي بثقلها ، فجاءت حتى قامت بين يديه ، قال : فلما التقينا العدو حمل هو وهشام بن عامر فصنعنا بهم طعنا وضربا ، فقال العدو : رجلان من العرب صنعا بنا هذا فكيف لو قاتلونا كلهم ؟ أعطوا المسلمين حاجتهم - يعني انزلوا على حكمهم - وقال صلة : جعت مرة في غزاة جوعا شديدا فبينما أنا أسير أدعو ربي وأستطعمه ، إذ سمعت وجبة من خلفي فالتفت فإذا أنا بمنديل أبيض فإذا فيه دوخلة ملآنة رطبا فأكلت منه حتى شبعت ، وأدركني المساء فملت إلى دير راهب فحدثته الحديث فاستطعمني من الرطب فأطعمته ، ثم إني مررت على ذلك الراهب بعد زمان فإذا نخلات حسان فقال : إنهن لمن الرطبات التي أطعمتني ، وجاء بذلك المنديل إلى امرأته فكانت تريه للناس ، ولما أهديت معاذة إلى صلة أدخله ابن أخيه الحمام ثم أدخله بيت العروس بيتا مطيبا فقام يصلي فقامت تصلي معه ، فلم يزالان يصليان حتى برق الصبح ، قال : فأتيته فقلت له : أي عم أهديت إليك ابنة عمك الليلة فقمت تصلي وتركتها ؟ قال : إنك أدخلتني بيتا أول النهار أذكرتني به النار ، وأدخلتني بيتا آخر النهار أذكرتني به الجنة ، فلم تزل فكرتي فيهما حتى أصبحت ، البيت الذي أذكره به النار هو الحمام ، والبيت الذي أذكره به الجنة هو بيت العروس . وقال له رجل : أدعو الله لي : فقال رغبك الله فيما يبقى ، وزهدك فيما يفنى ، ورزقك اليقين الذي لا يركن إلا إليه ، ولا يعول في الدين إلا عليه . وكان صلة في غزاة ومعه ابنه فقال له : أي بني تقدم فقاتل حتى أحتسبك ، فحمل فقاتل حتى قتل ، ثم تقدم صلة فقاتل حتى قتل ، فاجتمع النساء عند امرأته معاذة العدوية فقالت : إن كنتن جئتن لتهنينني فمرحبا بكن ، وإن كنتن جئتن لتعزينني فارجعن ، توفي صلة في غزاة هو وابنه نحو بلاد فارس في هذه السنة . زهير بن قيس البلوى شهد فتح مصر وسكنها ، له صحبة ، قتلته الروم ببرقة من بلاد المغرب ، وذلك أن الصريخ أتى الحاكم بمصر وهو عبد العزيز بن مروان أن الروم نزلوا برقة ، فأمره بالنهوض إليهم ، فساق زهير ومعه أربعون نفسا فوجد الروم فأراد أن يكف عن القتال حتى يلحقه العسكر ، فقالوا : يا أبا شداد احمل بنا عليهم ، فحملوا فقتلوا جميعا . المنذر بن الجارود : مات في هذه السنة . تولى بيت المال ووفد على معاوية والله أعلم .